"استوصوا بالنساء خيرًا"
"استوصوا بالنساء خيرًا"
هي وصية نبوية عظيمة، تتجاوز في عمقها ومغزاها مجرد الإحسان السطحي، لتكون منهجًا شاملًا للتعامل مع المرأة، يستند إلى الرحمة، العدل، والتقدير. هذه العبارة لم تأتِ لتُعلمنا كيف نُحسن للمرأة، بل لتُخبرنا أن الإحسان إليها هو الأصل والأساس.
لفهم الوصية النبوية
الوصية بعمق، يجب أن نتوقف عند كلماتها:
- "استوصوا": هذه الكلمة ليست نصيحة عابرة، بل هي أمرٌ ثقيل ومؤكد. معناها "اقبلوا وصيتي في النساء واعملوا بها". إنها تُلقي على عاتق الرجل مسؤولية عظيمة تجاه المرأة، كأمانة يجب أن يُحافظ عليها ويُرعاها حق رعايتها.
- "بالنساء": الوصية هنا ليست مقتصرة على الزوجة فقط، بل هي تشمل جميع النساء؛ الأم، الأخت، الابنة، القريبة، والغريبة. إنها دعوة لتغيير النظرة المجتمعية للمرأة ككل.
- "خيرًا": هذه الكلمة جامعة لكل معاني الإحسان. إنها ليست كلمة بسيطة، بل هي بحر من العطاء يشمل الجانب المادي، والمعنوي، والنفسي، والاجتماعي.
أبعاد "الخير" في الوصية
الخير الذي أمرنا به النبي ﷺ ليس مجرد كلمة، بل هو ممارسات وسلوكيات يومية تُغير حياة المرأة والمجتمع للأفضل.
1. البُعد النفسي والمعنوي: الخير هنا يبدأ من الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة. المرأة تحتاج إلى الشعور بالأمان النفسي، والتقدير العاطفي. الوصية تأمر الرجل بأن يكون مصدرًا للسكينة والطمأنينة لقلبها.
- التغاضي عن الهفوات: فهم طبيعة المرأة، والصبر على هفواتها الصغيرة، لأنها ليست معصومة من الخطأ.
- احترام المشاعر: عدم الاستخفاف بمشاعرها أو وصفها بالضعف، بل تقدير حساسيتها ورقتها والتعامل معها بحكمة.
2. البُعد المادي والجسدي: الوصية تُشدد على أهمية توفير الحياة الكريمة للمرأة. فالرجل مُطالب بالإنفاق عليها، وحمايتها، وتوفير كل ما تحتاجه للعيش بكرامة.
- النفقة والسكن: تأمين مأوى مريح ونفقة كريمة، وهذا ليس تفضلاً بل واجب.
- الحماية الجسدية: حمايتها من أي شكل من أشكال العنف أو الأذى، وجعلها تشعر بالأمان الكامل في بيتها ومحيطها.
3. البُعد الفكري والاجتماعي: الخير لا يقتصر على الرعاية، بل يمتد إلى الاعتراف بكيانها الفكري ودورها في المجتمع.
- الشورى: مشاورتها في أمور البيت والحياة، والأخذ برأيها الذي قد يكون صوابًا وحكيمًا.
- التشجيع والدعم: دعم طموحاتها وتشجيعها على تحقيق ذاتها، سواء في العلم أو العمل، لتكون عضوًا فاعلًا في المجتمع.
قيمة الوصية وأثرها
هذه الوصية لم تكن عادية، بل كانت ثورة في عصور كانت المرأة تُهمش فيها. لقد جاءت لترسخ مكانة المرأة كشريك، ورفيقة، ووصية يجب المحافظة عليها. تطبيق هذه الوصية ليس فيه فضل على المرأة، بل هو فضل على الرجل نفسه، لأنه بتعامله الحسن معها، يُنشئ أسرة متماسكة، ومجتمعًا سليمًا، ويُحقق السكينة في حياته.
كل امرأة هي حكاية فريدة، لا يُمكن اختصارها في كلمة واحدة. هي قصيدة تتغير أبياتها، ولوحة تتجدد ألوانها.
إن هذا المقال ليس النهاية، بل هو بداية. بداية جديدة لفهم أعمق، وتقدير أكبر، واحترام يرى في كل امرأة كوكبًا بذاته، يجمع في مداره بين القوة والحنان والخير
